حضرت محمد مصطفیٰ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم نے فرمایا: جب تمہارے حکمران نیک لوگ ہوں گے، تمہارے مالدار سخی ہوں گےاور تمہارے معاملات باہمی مشاورت سے طے پائیں گے، تو تمہارے لیے زندگی موت سے بہتر ہوگی تحف العقول ص 36، بحارالانوار کتاب الروضۃ باب7

اصول الفقہ حصہ دوم

المبحث الأوّل التحسين و التقبيح العقليّان‏

اختلف الناس في حسن الأفعال و قبحها هل انّهما عقليّان أو شرعيّان؟ بمعنى أنّ الحاكم بهما العقل أو الشرع.

فقال الأشاعرة: لا حكم للعقل في حسن الأفعال و قبحها، و ليس الحسن و القبح عائداً إلى أمر حقيقيٍّ حاصلٍ فعلًا قبل ورود بيان الشارع، بل إنّ ما حسّنه الشارع فهو حسن و ما قبّحه الشارع فهو قبيح. فلو عكس الشارع القضيّة فحسّن ما قبّحه و قبّح ما حسّنه لم يكن ممتنعاً و انقلب الأمر فصار القبيح حسناً و الحسن قبيحاً، و مثّلوا لذلك بالنسخ من الحرمة إلى الوجوب و من الوجوب إلى الحرمة «1».

و قالت العدليّة: إنّ للأفعال قِيَماً ذاتيّة عند العقل مع قطع النظر عن حكم الشارع، فمنها ما هو حسن في نفسه، و منها ما هو قبيح في نفسه، و منها ما ليس له هذان الوصفان. و الشارع لا يأمر إلّا بما هو حسن و لا ينهى إلّا عمّا هو قبيح، فالصدق في نفسه حَسَن و لحُسنه أمر اللَّه تعالى به، لا أنّه أمر اللَّه تعالى به فصار حسناً، و الكذب في نفسه قبيح و لذلك نهى اللَّه تعالى عنه، لا أنّه نهى عنه فصار قبيحاً.

______________________________ (1) (*) هذا التصوير لمذهب الأشاعرة منقول عن شرح القوشجي للتجريد.

أصول الفقه ( مظفر، محمد رضا - طبع انتشارات اسلامى )، ج‏2، ص: 272

هذه خلاصة الرأيين. و أعتقد عدم اتّضاح رأي الطرفين بهذا البيان، و لا تزال نقط غامضة في البحث إذا لم نبيّنها بوضوح لا نستطيع أن نحكم لأحد الطرفين. و هو أمر ضروريّ مقدّمةً للمسألة الاصوليّة، و لتوقّف وجوب المعرفة عليه.

فلا بدّ من بسط البحث بأوسع ممّا أخذنا على أنفسنا من الاختصار في هذا الكتاب، لأهميّة هذا الموضوع من جهةٍ، و لعدم إعطائه حقّه من التنقيح في أكثر الكتب الكلاميّة و الاصوليّة من جهةٍ اخرى.

و اكلّفكم قبل الدخول في هذا البحث بالرجوع إلى ما حرّرته في الجزء الثالث من المنطق (ص 17- 23) «1» عن القضايا المشهورات، لتستعينوا به على ماهنا.

و الآن أعقد البحث هنا في امور:

1- معنى الحسن و القبح و تصوير النزاع فيهما

إنّ الحسن و القبح لا يستعملان بمعنى واحد، بل لهما ثلاث معانٍ، فأيّ هذه المعاني هو موضوع النزاع؟ فنقول:

أوّلًا: قد يُطلق الحسن و القبح و يراد بهما الكمال و النقض. و يقعان وصفاً بهذا المعنى للأفعال الاختياريّة و لمتعلّقات الأفعال. فيقال مثلًا: العلم حَسَن، و التعلّم حَسَن، و بضدّ ذلك يقال: الجهل قبيح و إهمال التعلّم قبيح.

و يراد بذلك أنّ العلم و التعلّم كمال للنفس و تطوّر في وجودها، و أنّ الجهل و إهمال التعلّم نقصان فيها و تأخّر في وجودها.

و كثير من الأخلاق الإنسانيّة حسنها و قبحها باعتبار هذا المعنى، فالشجاعة و الكرم و الحلم و العدالة و الإنصاف و نحو ذلك إنّما حسنها

______________________________ (1) الصفحة 340- 348 من طبعتنا الحديثة.

أصول الفقه ( مظفر، محمد رضا - طبع انتشارات اسلامى )، ج‏2، ص: 273

باعتبار أنّها كمال للنفس و قوّة في وجودها. و كذلك أضدادها قبيحة لأنّها نقصان في وجود النفس و قوّتها. و لا ينافي ذلك أنّه يقال للُاولى: «حسنة» و للثانية «قبيحة» باعتبار معنى آخر من المعنيين الآتيين.

و ليس للأشاعرة ظاهراً نزاع في الحسن و القبح بهذا المعنى، بل جملة منهم يعترفون بأنّهما عقليّان، لأنّ هذه من القضايا اليقينيّات الّتي وراءها واقع خارجيّ تطابقه، على ما سيأتي.

ثانياً: أنّهما قد يُطلقان و يراد بهما الملاءمة للنفس و المنافرة لها، و يقعان وصفاً بهذا المعنى أيضاً للأفعال و متعلّقاتها من أعيان و غيرها.

فيقال في المتعلّقات: هذا المنظر حسن جميل، هذا الصوت حسن مطرب، هذا المذوق حلو حسن ... و هكذا.

و يقال في الأفعال: نوم القيلولة حسن، الأكل عند الجوع حسن، و الشرب بعد العطش حسن ... و هكذا. و كلّ هذه الأحكام لأنّ النفس تلتذّ بهذه الأشياء و تتذوّقها لملاءمتها لها.

و بضدّ ذلك يقال في المتعلقات و الأفعال: هذا المنظر قبيح، ولولة النائحة قبيحة، النوم على الشبع قبيح ... و هكذا. و كلّ ذلك لأنّ النفس تتألّم أو تشمئزّ من ذلك.

فيرجع معنى الحسن و القبح- في الحقيقة- إلى معنى اللذّة و الألم، أو فقل: إلى معنى الملاءمة للنفس و عدمها، ما شئت فعبّر، فإنّ المقصود واحد.

ثمّ إنّ هذا المعنى من الحسن و القبح يتّسع إلى اكثر من ذلك، فإنّ الشي‏ء قد لا يكون في نفسه ما يوجب لذّة أو ألماً، و لكنّه بالنظر إلى ما يعقبه من أثر تلتذّ به النفس أو تتألّم منه يُسمّى أيضاً حسناً أو قبيحاً، بل قد يكون الشي‏ء في نفسه قبيحاً تشمئزّ منه النفس كشرب الدواء المُرّ أصول الفقه ( مظفر، محمد رضا - طبع انتشارات اسلامى )، ج‏2، ص: 274

و لكنّه باعتبار ما يعقبه من الصحّة و الراحة الّتي هي أعظم بنظر العقل من ذلك الألم الوقتي يدخل فيما يُستحسن. كما قد يكون الشي‏ء بعكس ذلك حسناً تلتذّ به النفس- كالأكل اللذيذ المضرّ بالصحّة- و لكن ما يعقبه من مرضٍ أعظم من اللّذة الوقتيّة يدخله فيما يُستقبح.

و الإنسان بتجاربه الطويلة و بقوّة تمييزه العقلي يستطيع أن يصنّف الأشياء و الأفعال إلى ثلاثة أصناف: ما يُستحسن، و ما يُستقبح، و ما ليس له هاتان المزيّتان. و يعتبر هذا التقسيم بحسب ما له من الملاءمة و المنافرة، و لو بالنظر إلى الغاية القريبة أو البعيدة الّتي هي قد تسمو عند العقل على ما له من لذّة وقتيّة أو ألم وقتي، كمن يتحمّل المشاقّ الكثيرة و يقاسي الحرمان في سبيل طلب العلم أو الجاه أو الصحّة أو المال، و كمن يستنكر بعض اللذّات الجسديّة استكراهاً لشؤم عواقبها. و كلّ ذلك يدخل في الحسن و القبح بمعنى الملائم و غير الملائم.

قال القوشجي في شرحه للتجريد عن هذا المعنى: و قد يُعبّر عنهما- أي الحسن و القبح- بالمصلحة و المفسدة، فيقال: الحسن ما فيه مصلحة، و القبيح ما فيه مفسدة، و ما خلا منهما لا يكون شيئاً منهما «1».

و هذا راجع إلى ما ذكرنا، و ليس المقصود أنّ للحسن و القبح معنى آخر بمعنى ما له المصلحة أو المفسدة غير معنى الملاءمة و المنافرة، فإنّ استحسان المصلحة إنّما يكون للملائمة و استقباح المفسدة للمنافرة. و هذا المعنى من الحسن و القبح أيضاً ليس للأشاعرة فيه نزاع، بل هما عندهم بهذا المعنى عقليّان، أي ممّا قد يدركه العقل من غير توقّف على حكم الشرع. و من توهّم أنّ النزاع بين القوم في هذا المعنى فقد ارتكب شططاً! و لم يفهم كلامهم.

______________________________ (1) شرح التجريد: ص 338.

أصول الفقه ( مظفر، محمد رضا - طبع انتشارات اسلامى )، ج‏2، ص: 275

ثالثاً: أنّهما يطلقان و يراد بهما المدح و الذّم، و يقعان وصفاً بهذا المعنى للأفعال الاختياريّة فقط. و معنى ذلك: أنّ الحسن ما استحقّ فاعله عليه المدح و الثواب عند العقلاء كافّة، و القبيح ما استحقّ عليه فاعله الذمّ و العقاب عندهم كافّة.

و بعبارةٍ اخرى أنّ الحَسَن ما ينبغي فعله عند العقلاء، أي أنّ العقل عند الكلّ يدرك أنّه ينبغي فعله، و القبيح ما ينبغي تركه عندهم، أي أنّ العقل عند الكلّ يدرك أنّه لا ينبغي فعله أو ينبغي تركه.

و هذا الإدراك للعقل هو معنى حكمه بالحسن و القبح، و سيأتي توضيح هذه النقطة، فإنّها مهمّة جدّاً في الباب.

و هذا المعنى الثالث هو موضوع النزاع، فالأشاعرة أنكروا أن يكون للعقل إدراك ذلك من دون الشرع، و خالفتهم العدليّة فأعطوا للعقل هذا الحقّ من الإدراك.

تنبيه: و مما يجب أنّ يُعلم هنا أنّ الفعل الواحد قد يكون حسناً أو قبيحاً بجميع المعاني الثلاثة، كالتعلّم و الحلم و الإحسان، فإنّها كمال للنفس، و ملائمة لها باعتبار ما لها من نفع و مصلحة، و مما ينبغي أن يفعلها الإنسان عند العقلاء.

و قد يكون الفعل حسناً بأحد المعاني، قبيحاً أو ليس بحسن بالمعنى الآخر، كالغناء- مثلًا- فإنّه حسن بمعنى الملاءمة للنفس، و لذا يقولون عنه: إنّه غذاء للروح‏ «1» و ليس حسناً بالمعنى الأوّل أو الثالث، فإنّه لا يدخل عند العقلاء بما هم عقلاء فيما ينبغي أن يفعل، و ليس كمالًا للنفس و إن كان هو كمالًا للصوت بما هو صوت، فيدخل في المعنى الأوّل للحسن‏

______________________________ (1) (*) كأنّ هذا التعبير يريد أن يحاول قائلوه به دعوى أنّ الغناء كمال للنفس في سماعه. و هو مغالطة و إيهام منهم.

أصول الفقه ( مظفر، محمد رضا - طبع انتشارات اسلامى )، ج‏2، ص: 276

من هذه الجهة. و مثله التدخين أو ما تعتاده النفس من المسكرات و المخدّرات، فإنّ هذه حسنة بمعنى الملاءمة فقط، و ليست كمالًا للنفس و لا ممّا ينبغي فعلها عند العقلاء بما هم عقلاء.

2- واقعيّة الحسن و القبح في معانيه و رأي الأشاعرة:

إنّ الحسن بالمعنى الأوّل أي الكمال- و كذا مقابله أي القبح- أمر واقعي خارجي لا يختلف باختلاف الأنظار و الأذواق، و لا يتوقّف على وجود من يدركه و يعقله. بخلاف الحسن بالمعنيين الأخيرين.

و هذا ما يحتاج إلى التوضيح و التفصيل، فنقول:

1- أمّا الحسن بمعنى «الملاءمة»- و كذا ما يقابله- فليس له في نفسه بإزاء في الخارج يحاذيه و يحكي عنه، و إن كان منشؤه قد يكون أمراً خارجيّاً، كاللون و الرائحة و الطعم و تناسق الأجزاء، و نحو ذلك. بل حسن الشي‏ء يتوقّف على وجود الذوق العامّ أو الخاصّ، فإنّ الإنسان هو الّذي يتذوّق المنظور أو المسموع أو المذوق بسبب ما عنده من ذوق يجعل هذا الشي‏ء ملائماً لنفسه، فيكون حسناً عنده، أو غير ملائم فيكون قبيحاً عنده. فإذا اختلفت الأذواق في الشي‏ء كان حسناً عند قوم قبيحاً عند آخرين. و اذا اتّفقوا في ذوقٍ عامّ كان ذلك الشي‏ء حسناً عندهم جميعاً، أو قبيحاً كذلك.

و الحاصل: أنّ الحسن بمعنى الملائم ليس صفة واقعيّة للأشياء كالكمال، و ليس واقعيّة هذه الصفة إلّا إدراك الإنسان و ذوقه، فلو لم يوجد إنسان يتذوّق و لا من يشبهه في ذوقه لم تكن للأشياء في حدّ أنفسها حسن بمعنى الملاءمة.

و هذا مثل ما يعتقده الرأي الحديث في الألوان، إذ يقال: إنّها لا واقع لها بل هي تحصل من انعكاسات أطياف الضوء على الأجسام، ففي الظلام‏

أصول الفقه ( مظفر، محمد رضا - طبع انتشارات اسلامى )، ج‏2، ص: 277

حيث لا ضوء ليست هناك ألوان موجودة بالفعل، بل الموجود حقيقة أجسام فيها صفات حقيقيّة هي منشأ لانعكاس الأطياف عند وقوع الضوء عليها، و ليس كلّ واحد من الألوان إلّا طيفاً أو أطيافاً فأكثر تركّبت.

و هكذا نقول في حسن الأشياء و جمالها بمعنى الملاءمة، و الشي‏ء الواقعي فيها ما هو منشأ الملاءمة في الأشياء- كالطعم و الرائحة و نحوهما- الّذي هو كالصفة في الجسم، إذ تكون منشأ لانعكاس أطياف الضوء.

كما أنّ نفس اللذّة و الألم أيضاً أمران واقعيّان، و لكن ليسا هما الحسن و القبح اللذان ليسا هما من صفات الأشياء، و اللذّة و الألم من صفات النفس المدركة للحسن و القبح.

2- و أمّا الحسن بمعنى «ما ينبغي أن يفعل عند العقل» فكذلك ليس له واقعيّة إلّا إدراك العقلاء، أو فقل: تطابق آراء العقلاء. و الكلام فيه كالكلام في الحسن بمعنى الملاءمة. و سيأتي تفصيل معنى تطابق العقلاء على المدح و الذّم أو إدراك العقل للحسن و القبح.

و على هذا، فإن كان غرض الأشاعرة من إنكار الحسن و القبح إنكار واقعيّتهما بهذا المعنى من الواقعيّة فهو صحيح. و لكن هذا بعيد عن أقوالهم، لأنّه لما كانوا يقولون بحسن الأفعال و قبحها بعد حكم الشارع، فإنّه يُعلم منه أنّه ليس غرضهم ذلك، لأنّ حكم الشارع لا يجعل لهما واقعيّة و خارجيّة. كيف! و قد رتّبوا على ذلك بأنّ وجوب المعرفة و الطاعة ليس بعقلي بل شرعي. و إن كان غرضهم إنكار إدراك العقل- كما هو الظاهر من أقوالهم- فسيأتي تحقيق الحقّ فيه و أنّهم ليسوا على صوابٍ في ذلك.

3- العقل العملي و النظري:

إنّ المراد من العقل- إذ يقولون: إنّ العقل يحكم بحسن الشي‏ء أو قبحه بالمعنى الثالث من الحسن و القبح- هو «العقل العملي» في مقابل «العقل النظري».

أصول الفقه ( مظفر، محمد رضا - طبع انتشارات اسلامى )، ج‏2، ص: 278

و ليس الاختلاف بين العقلين إلّا بالاختلاف بين المدركات، فإن كان المدرك- بالفتح- ممّا ينبغي أن يفعل أو لا يفعل- مثل حسن العدل و قبح الظلم- فيُسمّى إدراكه «عقلًا عمليّاً». و إن كان المدرك ممّا ينبغي أن يُعلم- مثل قولهم: «الكلّ أعظم من الجزء» الّذي لا علاقة له بالعمل- فيُسمّى إدراكه «عقلًا نظريّاً».

و معنى حكم العقل- على هذا- ليس إلّا إدراك أن الشي‏ء ممّا ينبغي أن يُفعل أو يُترك. و ليس للعقل إنشاء بعثٍ و زجرٍ و لا أمر و نهي إلّا بمعنى أنّ هذا الإدراك يدعو العقل إلى العمل، أي يكون سبباً لحدوث الإرادة في نفسه للعمل و فعل ما ينبغي.

إذاً، المراد من الأحكام العقليّة هي مدركات العقل العملي و آراؤه.

و من هنا تعرف‏ «1» المراد من العقل المدرك للحسن و القبح بالمعنى الأوّل، إنّ المراد به هو العقل النظري، لأنّ الكمال و النقص ممّا ينبغي أن يُعلم، لا ممّا ينبغي أن يُعمل. نعم، إذا أدرك العقل كمال الفعل أو نقصه، فإنّه يدرك معه أنّه ينبغي فعله أو تركه، فيستعين العقل العملي بالعقل النظري.

أو فقل: يحصّل العقل العملي فعلًا بعد حصول العقل النظري.

و كذا المراد من العقل المدرك للحسن و القبح بالمعنى الثاني هو العقل النظري، لأنّ الملاءمة و عدمها أو المصلحة و المفسدة ممّا ينبغي أن يُعلم، و يستتبع ذلك إدراك أنّه ينبغي الفعل أو الترك على طبق ما عُلم. و من العجيب! ما جاء في جامع السعادات (ج 1 ص 59 المطبوع بالنجف سنة 1368) إذ يقول ردّاً على الشيخ الرئيس خِرّيت هذه الصناعة: «إنّ مطلق الإدراك و الإرشاد إنّما هو من العقل النظري فهو

______________________________ (1) في ط 2 زيادة: «أنّ» و على فرض إثبات هذه لا بدّ من حذف «إنّ المراد به» في السطر الآتي.

أصول الفقه ( مظفر، محمد رضا - طبع انتشارات اسلامى )، ج‏2، ص: 279

بمنزلة المشير الناصح، و العقل العملي بمنزلة المنفذ لإشاراته».

و هذا منه خروج عن الاصطلاح. و ما ندري ما يقصد من «العقل العملي» إذا كان الإرشاد و النصح للعقل النظري؟ و ليس هناك عقلان في الحقيقة كما قدّمنا، بل هو عقل واحد، و لكن الاختلاف في مدركاته و متعلّقاته، و للتمييز بين الموارد يُسمّى تارةً عمليّاً و اخرى نظريّاً. و كأنّه يريد من العقل العملي نفس التصميم و الإرادة للعمل. و تسمية الإرادة عقلًا وضعٌ جديدٌ في اللغة.

4- اسباب حكم العقل العملي بالحسن و القبح‏

إنّ الإنسان إذ يدرك أنّ الشي‏ء ينبغي فعله فيمدح فاعله، أو لا ينبغي فعله فيذمّ فاعله، لا يحصل له هذا الإدراك جزافاً و اعتباطاً- و هذا شأن كلّ ممكن حادث- بل لا بدّ له من سبب. و سببه بالاستقراء أحد امور خمسة نذكرها هنا، لنذكر ما يدخل منها في محلّ النزاع في مسألة التحسين و التقبيح العقليين، فنقول: الأوّل: أن يدرك أنّ هذا الشي‏ء كمال للنفس أو نقص لها، فإنّ إدراك العقل لكماله أو نقصه يدفعه للحكم بحسن فعله أو قبحه- كما تقدّم قريباً- تحصيلًا لذلك الكمال أو دفعاً لذلك النقص.

الثاني: أن يدرك ملائمة الشي‏ء للنفس أو عدمها إمّا بنفسه أو لما فيه من نفعٍ عامٍّ أو خاصّ، فيدرك حسن فعله أو قبحه تحصيلًا للمصلحة أو دفعاً للمفسدة.

و كلّ من هذين الإدراكين- أعني إدراك الكمال أو النقص، و إدراك الملاءمة أو عدمها- يكون على نحوين: 1- أن يكون الإدراك لواقعة جزئيّة خاصّة، فيكون حكم الإنسان بالحسن و القبح بدافع المصلحة الشخصيّة. و هذا الإدراك لا يكون بقوّة

أصول الفقه ( مظفر، محمد رضا - طبع انتشارات اسلامى )، ج‏2، ص: 280

العقل، لأنّ العقل شأنه إدراك الامور الكلّيّة لا الامور الجزئيّة، بل إنّما يكون إدراك الامور الجزئيّة بقوّة الحسّ أو الوهم أو الخيال، و إن كان مثل هذا الإدراك قد يستتبع مدحاً أو ذمّاً لفاعله، و لكن هذا المدح أو الذّم لا ينبغي أن يُسمّى عقليّاً، بل قد يُسمّى- بالتعبير الحديث- عاطفيّاً، لأنّ سببه تحكيم العاطفة الشخصيّة، و لا بأس بهذا التعبير.

2- أن يكون الإدراك لأمر كلّي، فيحكم الإنسان بحسن الفعل لكونه كمالًا للنفس كالعلم و الشجاعة، أو لكونه فيه مصلحة نوعيّة كمصلحة العدل لحفظ النظام و بقاء النوع الإنساني. فهذا الإدراك إنّما يكون بقوّة العقل بما هو عقل، فيستتبع مدحاً من جميع العقلاء.

و كذا في إدراك قبح الشي‏ء باعتبار كونه نقصاً للنفس كالجهل، أو لكونه فيه مفسدة نوعيّة كالظلم، فيدرك العقل بما هو عقل ذلك و يستتبع ذمّاً من جميع العقلاء. فهذا المدح و الذمّ إذا تطابقت عليه جميع آراء العقلاء باعتبار تلك المصلحة أو المفسدة النوعيّتين، أو باعتبار ذلك الكمال أو النقص النوعيّين، فإنّه يعتبر من الأحكام العقليّة الّتي هي موضع النزاع.

و هو معنى الحسن و القبح العقليّين الّذي هو محلّ النفي و الإثبات.

و تُسمّى هذه الأحكام العقليّة العامّة «الآراء المحمودة» و «التأديبات الصلاحيّة». و هي من قسم القضايا المشهورات الّتي هي قسم برأسه في مقابل القضايا الضروريّات. فهذه القضايا غير معدودة من قسم الضروريّات، كما توهّمه بعض الناس و منهم الأشاعرة كما سيأتي في دليلهم. و قد أوضحت ذلك في الجزء الثالث من «المنطق» في مبادي القياسات، فراجع‏ «1».

______________________________ (1) راجع المنطق للمؤلّف قدس سره: ص 344.

أصول الفقه ( مظفر، محمد رضا - طبع انتشارات اسلامى )، ج‏2، ص: 281

و من هنا يتّضح لكم جيّداً أنّ العدليّة إذ يقولون بالحسن و القبح العقليّين يريدون أنّ الحسن و القبح من الآراء المحمودة و القضايا المشهورة المعدودة من التأديبات الصلاحيّة و هي الّتي تطابقت عليها آراء العقلاء بما هم عقلاء.

و القضايا المشهورة ليس لها واقع وراء تطابق الآراء، أي أنّ واقعها ذلك. فمعنى حسن العدل أو العلم عندهم أنّ فاعله ممدوح لدى العقلاء و معنى قبح الظلم و الجهل أنّ فاعله مذموم لديهم‏ «1».

و يكفينا شاهداً على ما نقول- من دخول أمثال هذه القضايا في المشهورات الصرفة الّتي لا واقع لها إلّا الشهرة و أنّها ليست من قسم الضروريّات- ما قاله الشيخ الرئيس في منطق الإشارات: «و منها الآراء المسمّاة بالمحمودة، و ربما خصّصناها باسم الشهرة، إذ لا عمدة لها إلّا الشهرة، و هي آراء لو خلّي الإنسان و عقلَه المجرّد و وهمَه و حِسَّه و لم يؤدّب بقبول قضاياها و الاعتراف بها ... لم يقض بها الإنسان طاعة لعقله أو وهمه أو حسّه، مثل حكمنا بأنّ سلب مال الإنسان قبيح، و أنّ الكذب قبيح لا ينبغي أن يقدم عليه ...» و هكذا وافقه شارحها العظيم الخواجا نصير الدين الطوسي‏ «2».

الثالث: و من أسباب الحكم بالحسن و القبح «الخُلق الإنساني» الموجود في كلّ إنسان على اختلافهم في أنواعه، نحو خُلق الكرم و الشجاعة، فإنّ وجود هذا الخُلق يكون سبباً لإدراك أنّ أفعال الكرم- مثلًا- ممّا ينبغي فعلها فيمدح فاعلها، و أفعال البُخل ممّا ينبغي تركها فيذمّ فاعلها.

______________________________ (1) (*) و لا ينافي هذا أنّ العلم حَسَن من جهة اخرى و هي جهة كونه كمالًا للنفس، و الجهل قبيح لكونه نقصاناً.

(2) راجع الإشارات: الجزء الأوّل في علم المنطق ص 219.

أصول الفقه ( مظفر، محمد رضا - طبع انتشارات اسلامى )، ج‏2، ص: 282

و هذا الحكم من العقل قد لا يكون من جهة المصلحة العامّة أو المفسدة العامّة و لا من جهة الكمال للنفس أو النقص، بل بدافع الخُلق الموجود.

و إذا كان هذا الخُلق عامّاً بين جميع العقلاء يكون هذا الحسن و القبح مشهوراً بينهم تتطابق عليه آراؤهم. و لكن إنّما يدخل في محلّ النزاع إذا كان الخُلق من جهة اخرى فيه كمال للنفس أو مصلحة عامّة نوعيّة فيدعو ذلك إلى المدح و الذمّ. و يجب الرجوع في هذا القسم إلى ما ذكرته عن «الخُلقيّات» في المنطق (ج 3 ص 20) «1» لتعرف توجيه قضاء الخلق الإنساني بهذه المشهورات.

الرابع: و من أسباب الحكم بالحسن و القبح «الانفعال النفساني» نحو الرقّة و الرحمة و الشفقة و الحياء و الأنفة و الحميّة و الغيرة ... إلى غير ذلك من انفعالات النفس الّتي لا يخلو منها إنسان غالباً.

فنرى الجمهور يحكم بقبح تعذيب الحيوان اتّباعاً لما في الغريزة من الرّقة و العطف، و الجمهور يمدح من يعين الضعفاء و المرضى و يعنى برعاية الأيتام و المجانين بل الحيوانات، لأنّه مقتضى الرحمة و الشفقة. ويحكم بقبح كشف العورة و الكلام البذي‏ء، لأنّه مقتضى الحياء. و يمدح المدافع عن الأهل و العشيرة و الوطن و الامّة، لأنّه مقتضى الغيرة و الحميّة ... إلى غير ذلك من أمثال هذه الأحكام العامّة بين الناس.

و لكن هذا الحسن و القبح لا يعدّان حسناً و قبحاً عقليّين، بل ينبغي أن يُسمّيا عاطفيّين أو انفعاليّين. و

تُسمّى القضايا هذه عند المنطقيّين ب «الانفعاليّات». و لأجل هذا لا يدخل هذا الحسن و القبح في محلّ النزاع مع الأشاعرة، و لا نقول نحن بلزوم متابعة الشرع للجمهور في هذه‏

______________________________ (1) الصفحة 344 من طبعتنا الحديثة.

أصول الفقه ( مظفر، محمد رضا - طبع انتشارات اسلامى )، ج‏2، ص: 283 الأحكام، لأنّه ليس للشارع هذه الانفعالات، بل يستحيل وجودها فيه، لأنّها من صفات الممكن. و إنّما نحن نقول بملازمة حكم الشارع لحكم العقل بالحسن و القبح في الآراء المحمودة و التأديبات الصلاحية- على ما سيأتي- فباعتبار أنّ الشارع من العقلاء بل رئيسهم، بل خالق العقل، فلا بدّ أن يحكم بحكمهم بما هم عقلاء و لكن لا يجب أن يحكم بحكمهم بما هم عاطفيّون. و لا نقول: إنّ الشارع يتابع الناس في أحكامهم متابعة مطلقة.

الخامس: و من الأسباب «العادة عند الناس» كاعتيادهم احترام القادم- مثلًا- بالقيام له، و احترام الضيف بالطعام، فيحكمون لأجل ذلك بحسن القيام للقادم و إطعام الضيف.

و العادات العامّة كثيرة و متنوّعة، فقد تكون العادة تختصّ بأهل بلد أو قُطر أو امّة، و قد تعمّ جميع الناس في جميع العصور أو في عصر، فتختلف لأجل ذلك القضايا الّتي يحكم بها بحسب العادة، فتكون مشهورة عند القوم الّذين لهم تلك العادة دون غيرهم.

و كما يمدح الناس المحافظين على العادات العامّة يذمّون المستهينين بها، سواء كانت العادة حسنة من ناحية عقليّة أو عاطفيّة أو شرعيّة، أو سيّئة قبيحة من إحدى هذه النواحي؛ فتراهم يذمّون من يرسل لحيته إذا اعتادوا حلقها و يذمّون الحليق إذا اعتادوا إرسالها و تراهم يذمّون من يلبس غير المألوف عندهم لمجرّد أنّهم لم يعتادوا لبسه، بل ربما يسخرون به أو يعدّونه مارقاً.

و هذا الحسن و القبح أيضاً ليسا عقليّين، بل ينبغي أن يسمّيا «عاديّين» لأنّ منشأهما العادة. و تُسمّى القضايا فيهما في عرف المناطقة «العاديّات».

و لذا لا يدخل أيضاً هذا الحسن و القبح في محلّ النزاع. و لا نقول نحن أيضاً بلزوم متابعة الشارع للناس في أحكامهم هذه، لأنّهم لم يحكموا فيها بما هم عقلاء بل بما هم معتادون، أي بدافع العادة.

أصول الفقه ( مظفر، محمد رضا - طبع انتشارات اسلامى )، ج‏2، ص: 284

نعم، بعض العادات قد تكون موضوعاً لحكم الشارع، مثل حكمه بحرمة لباس الشهرة «1» أي اللباس غير المعتاد لبسه عند الناس. و لكن هذا الحكم لا لأجل المتابعة لحكم الناس، بل لأنّ مخالفة الناس في زيّهم على وجه يثير فيهم السُّخريّة و الاشمئزاز فيه مفسدة موجبة لحرمة هذا اللباس شرعاً. و هذا شي‏ء آخر غير ما نحن فيه.

فتحصّل من جميع ما ذكرنا- و قد أطلنا الكلام لغرض كشف الموضوع كشفاً تامّاً- أنّه ليس كلّ حسن و قبح بالمعنى الثالث موضعاً للنزاع مع الأشاعرة، بل خصوص ما كان سببه إدراك كمال الشي‏ء أو نقصه على نحو كلّي و ما كان سببه إدراك ملائمته أو عدمها على نحو كلّي أيضاً من جهة مصلحة نوعيّة أو مفسدة نوعيّة، فإنّ الأحكام العقليّة الناشئة من هذه الأسباب هي أحكام للعقلاء بما هم عقلاء، و هي الّتي ندّعي فيها أنّ الشارع لا بدّ أن يتابعهم في حكمهم. و بهذا تعرف ما وقع من الخلط في كلام جملة من الباحثين عن هذا الموضوع.

أصول الفقه ( مظفر، محمد رضا - طبع انتشارات اسلامى ) ؛ ج‏2 ؛ ص284

5- معنى الحسن و القبح الذاتيّين‏

إنّ الحسن و القبح بالمعنى الثالث ينقسمان إلى ثلاثة أقسام:

1- ما هو «علّة» للحسن و القبح. و يُسمّى الحسن و القبح فيه ب «الذاتيّين» مثل العدل و الظلم و العلم و الجهل، فإنّ العدل بما هو عدل لا يكون إلّا حسناً أبداً، أي أنّه متى ما صدق عنوان «العدل» فإنّه لا بدّ أن يمدح عليه فاعله عند العقلاء و يُعدّ عندهم محسناً. و كذلك الظلم بما هو ظلم لا يكون إلّا قبيحاً، أي أنّه متى ما صدق عنوان «الظلم» فإنّ فاعله مذموم عندهم و يُعدّ مسيئاً.

2- ما هو «مقتضٍ» لهما، و يُسمّى الحسن و القبح فيه ب «العرضيّين»

______________________________ (1) راجع الوسائل: ج 3 ص 354، الباب 12 من أبواب أحكام الملابس.

أصول الفقه ( مظفر، محمد رضا - طبع انتشارات اسلامى )، ج‏2، ص: 285

مثل تعظيم الصديق و تحقيره، فإنّ تعظيم الصديق لو خُلّي و نفسَه فهو حسن ممدوح عليه، و تحقيره كذلك قبيح لو خُلّي و نفسه. و لكن تعظيم الصديق بعنوان أنّه تعظيم الصديق يجوز أن يكون قبيحاً مذموماً، كما إذا كان سبباً لظلم ثالث. بخلاف العدل، فإنّه يستحيل أن يكون قبيحاً مع بقاء صدق عنوان «العدل». كذلك تحقير الصديق بعنوان أنّه تحقير له يجوز أن يكون حسناً ممدوحاً عليه، كما إذا كان سبباً لنجاته. و لكن يستحيل أن يكون الظلم حسناً مع بقاء صدق عنوان «الظلم».

3- ما لا علّية له و لا اقتضاء فيه في نفسه للحسن و القبح أصلًا، و إنّما قد يتّصف بالحسن تارةً إذا انطبق عليه عنوان حَسَن كالعدل، و قد يتّصف بالقبح اخرى إذا انطبق عليه عنوان قبيح كالظلم، و قد لا ينطبق عليه عنوان أحدهما فلا يكون حسناً و لا قبيحاً، كالضرب مثلًا، فإنّه حسن للتأديب و قبيح للتشفّي، و لا حَسَن و لا قبيح، كضرب غير ذي الروح.

و معنى كون الحسن أو القبح ذاتيّاً: أنّ العنوان المحكوم عليه بأحدهما بما هو في نفسه و في حدّ ذاته يكون محكوماً به، لا من جهة اندراجه تحت عنوان آخر، فلا يحتاج إلى واسطة في اتّصافه بأحدهما.

و معنى كونه مقتضياً لأحدهما: أنّ العنوان ليس في حدّ ذاته متّصفاً به بل بتوسّط عنوانٍ آخر، و لكنّه لو خُلّي و طبعَه كان داخلًا تحت العنوان الحسن أو القبيح. أ لا ترى أنّ تعظيم الصديق لو خُلّي و نفسه يدخل تحت عنوان «العدل» الّذي هو حسن في ذاته، أي بهذا الاعتبار تكون له مصلحة نوعيّة عامّة. أمّا لو كان سبباً لهلاك نفسٍ محترمة كان قبيحاً، لأنّه يدخل حينئذٍ بما هو تعظيم الصديق تحت عنوان «الظلم» و لا يخرج عن عنوان كونه تعظيماً للصديق.

و كذلك يقال في تحقير الصديق، فإنّه لو خُلّي و نفسَه يدخل تحت‏

أصول الفقه ( مظفر، محمد رضا - طبع انتشارات اسلامى )، ج‏2، ص: 286

عنوان «الظلم» الّذي هو قبيح بحسب ذاته، أي بهذا الاعتبار تكون له مفسدة نوعيّة عامّة. فلو كان سبباً لنجاة نفسٍ محترمة كان حسناً، لأنّه يدخل حينئذٍ تحت عنوان «العدل» و لا يخرج عن عنوان كونه تحقيراً للصديق.

و أمّا العناوين من القسم الثالث فليست في حدّ ذاتها لو خُلّيت و أنفسَها داخلة تحت عنوان حسن أو قبيح، فلذلك لا تكون لها علّية و لا اقتضاء.

و على هذا يتّضح معنى العلّية و الاقتضاء هنا، فإنّ المراد من العلّية أنّ العنوان بنفسه هو تمام موضوع حكم العقلاء بالحسن أو القبح. و المراد من الاقتضاء أنّ العنوان لو خُلّي و طبعَه يكون داخلًا فيما هو موضوع لحكم العقلاء بالحسن أو القبح. و ليس المراد من العلّية و الاقتضاء ما هو معروف من معناهما أنّه بمعنى التأثير و الإيجاد، فإنّه من البديهي أنّه لا علّية و لا اقتضاء لعناوين الأفعال في أحكام العقلاء إلّا من باب عليّة الموضوع لمحموله.

6- أدلّة الطرفين‏ «1»:

بتقديم الامور السابقة نستطيع أن نواجه أدلّة الطرفين بعين بصيرة، لنعطي الحكم العادل لأحدهما و نأخذ النتيجة المطلوبة. و نحن نبحث عن ذلك في عدّة موادّ، فنقول:

1- إنّا ذكرنا أنّ قضيّة الحسن و القبح من القضايا المشهورات، و أشرنا

______________________________ (1) إن شئت الوقوف على مصادر الأدلّة و تفاصيلها راجع المستصفى للغزالي: ج 1 ص 55، و شرح التجريد للقوشچي: ص 337، و كشف المراد للعلّامة الحلّي: ص 302، و القوانين المحكمة للمحقّق القمي: ج 2 ص 8، و مطارح الأنظار تقرير أبحاث الشيخ الأعظم الأنصاري: ص 230.

أصول الفقه ( مظفر، محمد رضا - طبع انتشارات اسلامى )، ج‏2، ص: 287

إلى ما كنتم درستموه في الجزء الثالث من المنطق من أنّ المشهورات قسم يقابل الضروريّات الستّ كلّها. و منه نعرف المغالطة في دليل الأشاعرة- و هو أهمّ أدلّتهم- إذ يقولون:

لو كانت قضيّة الحسن و القبح ممّا يحكم به العقل لما كان فرق بين حكمه في هذه القضيّة و بين حكمه بأنّ الكلّ أعظم من الجزء. و لكنّ الفرق موجود قطعاً، إذ الحكم الثاني لا يختلف فيه اثنان مع وقوع الاختلاف في الأوّل.

و هذا الدليل من نوع القياس الاستثنائي قد استثني فيه نقيض التالي لينتج نقيض المقدّم.

و الجواب عنه: أنّ المقدّمة الاولى- و هي الجملة الشرطيّة- ممنوعة، و منعها يُعلم ممّا تقدّم آنفاً، لأنّ قضيّة الحسن و القبح- كما قلنا- من المشهورات، و قضيّة «أنّ الكلّ أعظم من الجزء» من الأوّليّات اليقينيّات، فلا ملازمة بينهما و ليس هما من بابٍ واحد حتّى يلزم من كون القضيّة الاولى ممّا يحكم به العقل ألّا يكون فرق بينهما و بين القضيّة الثانية.

و ينبغي أن نذكر جميع الفروق بين المشهورات هذه و بين الأوّليّات، ليكون أكثر وضوحاً بطلان قياس إحداهما على الاخرى. و الفارق من وجوه ثلاثة:

الأوّل: أنّ الحاكم في قضايا التأديبات العقل العملي، و الحاكم في الأوّليّات العقل النظري.

الثاني: أنّ القضيّة التأديبيّة لا واقع لها إلّا تطابق آراء العقلاء، و الأوّليّات لها واقع خارجي.

الثالث: أنّ القضيّة التأديبيّة لا يجب أن يحكم بها كلّ عاقل لو خُلّي و نفسَه و لم يتأدّب بقبولها و الاعتراف بها، كما قال الشيخ الرئيس على‏

أصول الفقه ( مظفر، محمد رضا - طبع انتشارات اسلامى )، ج‏2، ص: 288

ما نقلناه من عبارته فيما سبق في الأمر الثاني‏ «1». و ليس كذلك القضيّة الأوّليّة الّتي يكفي تصوّر طرفيها في الحكم، فإنّه لا بدّ ألّا يشذّ عاقل في الحكم بها لأوّل وهلة.

2- و من أدلّتهم على إنكار الحسن و القبح العقليّين أن قالوا: إنّه لو كان ذلك عقليّاً لما اختلف حسن الأشياء و قبحها باختلاف الوجوه و الاعتبارات، كالصدق إذ يكون مرّةً ممدوحاً عليه و اخرى مذموماً عليه إذا كان فيه ضرر كبير، و كذلك الكذب بالعكس يكون مذموماً عليه و ممدوحاً عليه اذا كان فيه نفع كبير. كالضرب و القيام و القعود و نحوها ممّا يختلف حسنه و قبحه.

و الجواب عن هذا الدليل و أشباهه يظهر ممّا ذكرناه من أنّ حسن الأشياء و قبحها على أنحاء ثلاثة، فما كان ذاتيّاً لا يقع فيه اختلاف، فإنّ العدل بما هو عدل لا يكون قبيحاً أبداً، و كذلك الظلم بما هو ظلم لا يكون حسناً أبداً، أي أنّه ما دام عنوان «العدل» صادقاً فهو ممدوح، و ما دام عنوان «الظلم» صادقاً فهو مذموم. و أمّا ما كان عرضيّاً فإنّه يختلف بالوجوه و الاعتبارات، فمثلًا الصدق إن دخل تحت عنوان «العدل» كان ممدوحاً، و إن دخل تحت عنوان «الظلم» كان قبيحاً. و كذلك الكذب و ما ذكر من الأمثلة.

و الخلاصة: أنّ العدليّة لا يقولون بأنّ جميع الأشياء لا بدّ أن تتّصف بالحسن أبداً أو بالقبح أبداً، حتّى يلزم ما ذكر من الإشكال.

3- و قد استدلّ العدليّة على مذهبهم بما خلاصته:

إنّه من المعلوم ضرورة حسن الإحسان و قبح الظلم عند كلّ عاقل من غير اعتبار شرع، فإنّ ذلك يدركه حتّى منكر الشرائع.

______________________________ (1) راجع ص 281.

أصول الفقه ( مظفر، محمد رضا - طبع انتشارات اسلامى )، ج‏2، ص: 289

و اجيب عنه بأنّ الحسن و القبح في ذلك بمعنى الملاءمة و المنافرة أو بمعنى صفة الكمال و النقص، و هو مسلّم لا نزاع فيه. و أمّا بالمعنى المتنازع فيه فإنّا لا نسلّم جزم العقلاء به.

و نحن نقول: إنّ من يدّعي ضرورة حكم العقلاء بحسن الإحسان و قبح الظلم يدّعي ضرورة مدحهم لفاعل الإحسان و ذمّهم لفاعل الظلم.

و لا شكّ في أنّ هذا المدح و الذّم من العقلاء ضروريّان، لتواتره عن جميع الناس، و منكره مكابر. و الّذي يدفع العقلاء لهذا- كما قدّمنا- شعورُهم بأنّ العدل كمال للعادل و ملاءمته لمصلحة النوع الإنساني و بقائه، و شعورُهم بنقص الظلم و منافرته لمصلحة النوع الإنساني و بقائه.

4- و استدلّ العدليّة أيضاً بأنّ الحسن و القبح لو كانا لا يثبتان إلّا من طريق الشرع، فهما لا يثبتان أصلًا حتّى من طريق الشرع.

و قد صوّر بعضهم هذه الملازمة على النحو الآتي:

إنّ الشارع إذا أمر بشي‏ءٍ فلا يكون حسناً إلّا إذا مدح مع ذلك الفاعل عليه، و إذا نهى عن شي‏ءٍ فلا يكون قبيحاً إلّا إذا ذمّ الفاعل عليه، و من أين تعرف أنّه يجب أن يمدح الشارع فاعل المأمور به و يذمّ فاعل المنهيّ عنه؟ إلّا إذا كان ذلك واجباً عقلًا، فتوقّف حسن المأمور به و قبح المنهيّ عنه على حكم العقل، و هو المطلوب.

ثمّ لو ثبت أنّ الشارع مدح فاعل المأمور به و ذمّ فاعل المنهيّ عنه و المفروض أنّ مدح الشارع ثوابه و ذمّه عقابه، فمن أين نعرف أنّه صادق في مدحه و ذمّه إلّا إذا ثبت أنّ الكذب قبيح عقلًا يستحيل عليه، فيتوقّف ثبوت الحسن و القبح شرعاً على ثبوتهما عقلًا، فلو لم يكن لهما ثبوت عقلًا فلا ثبوت لهما شرعاً.

و قد أجاب بعض الأشاعرة عن هذا التصوير بأنّه يكفي في كون‏

أصول الفقه ( مظفر، محمد رضا - طبع انتشارات اسلامى )، ج‏2، ص: 290

الشي‏ء حسناً أن يتعلّق به الأمر، و في كونه قبيحاً ان يتعلّق به النهي، و الأمر و النهي- حسب الفرض- ثابتان وجداناً. و لا حاجة إلى فرض ثبوت مدح و ذمّ من الشارع.

و هذا الكلام- في الحقيقة- يرجع إلى أصل النزاع في معنى الحسن و القبح، فيكون الدليل و جوابه صِرف دعوى و مصادرة على المطلوب، لأنّ المستدلّ يرجع قوله إلى أنّه يجب المدح و الذمّ عقلًا، لأنّهما واجبان في اتّصاف الشي‏ء بالحسن و القبح. و المجيب يرجع قوله إلى أنّهما لا يجبان عقلًا لأنّهما غير واجبين في الحسن و القبح.

و الأحسن تصوير الدليل على وجهٍ آخر، فنقول:

إنّه من المسلّم عند الطرفين وجوب طاعة الأوامر و النواهي الشرعيّة، و كذلك وجوب المعرفة. و هذا الوجوب عند الأشاعرة وجوب شرعيّ حسب دعواهم، فنقول لهم: من أين يثبت هذا الوجوب؟ لا بدّ أن يثبت بأمر من الشارع. فننقل الكلام إلى هذا الأمر، فنقول لهم: من أين تجب طاعة هذا الأمر؟ فإن كان هذا الوجوب عقليّاً فهو المطلوب، و إن كان شرعيّاً أيضاً فلا بدّ له من أمر و لا بدّ له من طاعة فننقل الكلام إليه ...

و هكذا نمضي إلى غير النهاية، و لا نقف حتّى ننتهي إلى طاعةٍ وجوبها عقليّ لا تتوقّف على أمر الشارع، و هو المطلوب.

بل ثبوت الشرائع من أصلها يتوقّف على التحسين و التقبيح العقليّين، و لو كان ثبوتها من طريق شرعي لاستحال ثبوتها، لأنّا ننقل الكلام إلى هذا الطريق الشرعي فيتسلسل إلى غير النهاية.

و النتيجة: أنّ ثبوت الحسن و القبح شرعاً يتوقّف على ثبوتهما عقلًا.

أصول الفقه ( مظفر، محمد رضا - طبع انتشارات اسلامى )، ج‏2، ص: 291